حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
275
شاهنامه ( الشاهنامه )
إيه أيها البصير بالتجارب ، ومن أحلت وأمرّت له النوائب ! واهاً لهذه القبة سريعة الدوران ، التي تطّلع كل يوم على القلب بجدِيد الأحزان . حظ واحدٍ منها شراب وعسل ، والرفاهية والدلال ونيل الأمل . وحظ آخر هم ّ ونصب وملال ، وضيق الصدر في دار الزوال . وآخر يضرب في يهماء الجدّ ، يهبط تارة ويصعد . ذلك نصيبنا من الزمان وأفلاكه ، وأكثر من نضرة ورده وخز أشواكه . ومن أوفى على الستين ، فهو باليأس قمين . ولا يجوز السبعين غير قليل ، وتلك تجارب العمر الطويل . وإن جاوزها فهو شر له ، حياة جديرة بالبكاء ، ويله . ولو أن شبكه الستين شبكة صائد ، وخلص منها الحازم الجاهد . أين المفرّ من الفلك الدوّار . ومن خالق الشمس والقمر ، القهار . والملك المسلط يجهد ويجدّ ، وينتقم ويكنز ويعدّ . ولا بد أن يرجل إلى الدار الآخرة ، ويخلف سعيه في الحياة البائرة . فخذ من سيرة كيخسرو العبر ، وجدّد بالذكرى ما درس وغبر . فقد انتقم لأبيه من جدّه ، بمكروه وحربه وحشده . قتل جدّه ثم لم يخلد بعده ، ولا أطاع الزمان حله وعقده . كذلك دأب دار الفناء ، فاربأ بنفسك من هذا العناء . والآن نعود إلى ترجمة الكتاب ونقل ما حكاه الفردوسي . تعبئة كيخسرو جيوشه لحرب أفراسياب قال : ثم عزم الملك كيخسرو على المسير بنفسه في طلب أفراسياب ، فتسنم الفيل على تخت من الفيروزج قد وضع على ظهره ، وحرك الخرزة في الجام إشعارا بالفير العام . فحرم المقام على جميع الملوك في جميع الأطراف . فنفروا وأقبلوا إلى خدمته . وكتب إلى رُستَم ولُهراسب وأشكس يأمرهم بالمبادرة إلى الخدمة فاجتمع عليه عساكر البر والبحر . فركب وطاف في العسكر حتى علم حتى كل واحد من الملوك والأمراء ، ومقادير حظوظهم من العدّة والعتاد . ثم انتخب ثلاثين ألف فارس يعضون على الزُّبر ، ويفلقون بالأسياف مفارق الحجر ، وأمرهم بأن يكونوا معه في القلب لا يزايلونه مستعدين للضرب . ورتب على أحد جانبيه طوس بن نوذر مع جماعة من أصحاب الأطراف ، وجعل على الجانب الآخر أولاد الملوك الذين ينتسبون إلى كيقباد ، وأمر بيژن بن جيو ورُهّام بن جوذرز بأن يحفظا ظهره مع جرجين بن ميلاد في عساكر الرىّ . ثم سلم الميمنة إلى رستم ، وضم اليه جميع عساكر زابلستان وممالك دستان ، وجعل جوذرز بن كشواذ على الميسرة مع ولديه هجير وفرهاد في عساكر تفوت العدّ والحصر . وأمر فنصبوا على ظهور الفيلة صناديق وشحنوها برماة الحسبان ووكل بحماية كل فيل ثلاثمائة فارس . وأمر زنكه بن شاوران مقدم عساكر بغداد بأن يخرج جماعة من فرسان الكرخ الرماة .